مدخل إلى علم مقارنة الأديان
تمهيد:
الدّين ضرورة حياتية يطبع الإنسان بل يسير حركة حياته ونمائه وفق قواعده، والتدين موقف أساسي من مواقف القيّم الإنسانية، بل من أعظمها والتي لا مندوحة له إلاّ به.
فنجد عبر الحقبة التاريخية للإنسان أنّه لا يوجد قوم عاشوا دون أن يتدينوا بديـن أو ينقادوا إلى رسوم وطقوس، لذلك فالفكرة الدينية منتشرة بين جميع الشعوب والأقوام البدائية أو المتحضرة، كالبابليين(بعل وعشتار) والسومريين(انـوو انليل) والفرس(امورامزدا) والهنود(برهما،سيفا،بودا…) ولهذا ذكر مؤرخو الحضارات وتاريخ الأديان كبنيامين كوستان: أنّ الدّين من العوامل التي سيطرت على البشر وأنّ التحسّس الدّيني من الخواص اللازمة لطبائعنا الرّاسخة، ومن المستحيل أن نتصوّر ماهية الإنسان دون أن تتبادر إلى ذهننا فكرة الدّين([1]).
أمّا إذا رجعنا إلى نظرة الكتب السماوية(التوراة،الإنجيل،القرآن) فأنّها تؤكد على هذه الحقيقة السرمدية. فإنّ القرآن يؤكد أنّ الإنسان أو ما خلق خلق لدافع ديني(وما خلقت الجنّ والإنس إلاّ ليعبدون) ([2]).
أمّا الشعوب البدائية المتوغلة في التوحش فلكل منها قوّة غيبية تتقرب إليها وكائن أعلى تتضرع إليه بالإضافة إلى الديانات السماوية الكبرى اليهودية، المسيحية، الإسلام.
من هذا تعيّن على الفكر الإنساني الاهتمام بظاهرة(الدّين) وجعله من المعارف الأساسية لدراسته في إطار العلوم حتى ظهر كعلم مستقبل بمنهج واهتماماته العلمية كباقي العلوم.
ظهور علم تاريخ الاديان:
إنّ بداية ظهور علم مقارنة الأديان تظهر من خلال اهتمام الإنسان بالآخرين ومعتقداتهم بدافع دينه أو دوافع أخرى، ذاتية معرفية لكن الملاحظ عند مؤرخي الأديان أنّهم تضاربوا حول البدايات الأولى والتي مهدت لظهور هذا العلم. ويمكن القول أنّ تاريخ الدّيانات هو علم جديد، ونعني بعلم الدّيانات الدراسة الموضوعية لمختلف الأديان، أصلها، نموها في الزمان والمكان ونستخلص أنّه علم نسبي وجديد فقد سجل لنا علماء تاريخ الأديان بعض البدايات التي أفرزها الفكر اليوناني القديم.
فقد تعرض الفلاسفة اليونانيون بكل حرية للمشاكل الكبرى التي جلبت اهتماماتهم كأصل العالم، العلاقة الإلهية بالعدالة، مصير الأرواح بعد الموت وعليه كانت هذه هي بداية النقد الذي تطور أكثر عند الصوفيين ومختلف الفلاسفة ومن ثمّ ظهرت عدّة مناهج تفسيرية للأديان وكان منهج(l’évhénérisme) هو أوّل نظام تفسيري ويعتقد(Evhémére) بأنّ الألهة في الميثيولوجية التقليدية هم أشخاص مميّزين كانوا فلاسفة وأمراء قدسوا من قبل الشعب، ونجاح هذه النظرية تعزّزه العادات الدينية للملوك خاصة في القرن II وIII قبل الميلاد وكان لكتاب(Euhémeros) صدى كبيراً في اليونـان، وترجـم إلى اللاتينيـة من قبـل(Ennius) كما أنّ هبرت سبنسر(Herbert Spencer) أعاد(l’évhénérisme) ضمن نظرية(moniste) ([3]).
ثمّ تلتها بعض التطوّرات حتى ظهر آخر الأديان السماوية(الإسلام) الذي أعطى هذا العلم حقه في الظهور واستشراف طرقه ومناهجه، فقد جاءت إشارات قرآنية ساعدت علماء الإسلام في العصور الزاهرة للحضارة الإسلامية أن يظهروا هذا العلم، فأوجبت احترام أي دين واحترام معتنقيه عكس مابدى عند المسيحيين، في القرنIVX و IIVX([4]).
وقد أعطى الإسلام لليهود والنصارى وضعاً متميّزاً في التعامل والعلاقات(ولا تجادلوا أهل الكتاب إلاّ بالتي هي أحسن إلاّ الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وألهكم واحد ونحن له مسلمون) ([5]).
كما أنّه أباحمؤاكلة أهل الكتاب ومصاهرتهم والتزوج من نسائهم ويكون لهذه الزوجة الكتابية القيام بفروض عبادتها والذهاب إلى معبدها أو كنيستها لممارسة شعائر دينها(اليوم أحلت لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذيم أوتوا الكتاب من قبلكم) ([6]).
لهذا ظهر علم تاريخ الأديان أو علم الملل والنحل والذي أصبح يعرف من بعد بعلم مقارنة الأديان بمنهجيته السمحاء وبعده الإنساني والعالمي على عكس الأديان الأخرى التي كانت تعتبر أي دين ضلالاً وبدعة، فإذا نظرنا إلى موقف اليهودية من المسيحية والمسيح فهي تعتبرها ضلالاً بل اعترت المسيح(عليه السلام) ضمن المسحاء الكاذبين….
فقد ذكر آدم ميتز(… أن تسامح المسلمين في حياتهم مع اليهود والنصارى وهو التسامح الذي لم يسمح مثله في العصور الوسطى سبباص في أنّ الحق بمباحث علم الكلام شيء لم يكن قط من مظاهر العصور الوسطى هو علم مقارنة الملل) ([7]).
بل اهتم المسلمون أيضاً بدراسة الأديان غير السماوية(Les religions non biblique) والتي اعتنوا بها وبمعتقداتها وما أفرزته من أطر اجتماعية وثقافية، فكانت دراستهم من أهم ما أنتجه الفكر الإنساني وقتها، حتى أن كتب علم الكلام لا تخلوا من دراسة ومناقشة هذه الأديان(كالثانوية lA-ayiwanaht، المناوية المزدكية Al- Mazdakia، الهندوسية(البرهمية)L’hindouisme ، البوذية (أصحاب البوذ) boudhisme) ([8]).
وهذا العلم كما يبدوا من المؤلفات التي تركها المسلمون الأوائل، علم قديم، وفي هذا يقول الشهرستاني أحد أساطين هذا العلم: (أعلم أنّ العرب في الجاهلية كانت على ثلاثة أنواع من العلوم: أحدهما، علم الأنساب والتواريخ والأديان).
كما ورد كذلك في رسائل إخوان الصفا: ( وأعلم ياأخي أنّ العلم علمان: علم الأبدان وعلم الأديان) ([9]).
وفي هذا إشارة واضحة إلى أهمية هذا العلم وقدمه عند المسلمين.وأهميته تكمن في أنّ جلّ علماء المسلمين قد خصصوا له مبحثا خاصا حتى ولو لم يكونوا مختصين فيه.
كما أنّه برز فيه عدّة أساطين يستحقون تسمية لكل واحد منه(عالم الأديان)، فنذكر من هؤلاء، محمد بن عبد الكريم الشهرستاني(479 –548هـ) الذي يعد من أشهر علماء تاريخ الأديان عند المسلمين وأكثرهم موضوعيةن فهو صاحب الكتاب المعروف باسم (الملل والنحل)، الذي يعد بحق أهم عمل في تاريخ الأديان عند المسلمين بسبب التزام صاحبه بمنهج علمي وموضوعي في دراسة الأديان والفرق وبأسلوب وصفي تحليلين كما يتضح عليه أنّه سعى لوجود منهج علمي لدراسة الأديان والفرق بعيداً عن الأهداف الدفاعية والمؤثرات الخارجية.
ولعل أهم ما يميّز عمله في تاريخ الأديان تلك النظرة المنهجية الواضحة النتي بدأ بها دراسته وذكرها في الصفحات الأولى من الملل والنحل وتقوم هذه النظرة على خمس مقدمات رتبها على النحو التالي:
1- بيان تقسيم أهل العالم جملة.
2- بيان قانون يبني عليه تعداد الفرق الإسلامية
3- بيان أوّل شبهة وقعت في الخليقة.
4- بيان أوّل شبهة وقعت في الملّة الإسلامية وكيفية تشعبها ومصدرها ومظاهرها.
5- بيان السبب الرئيسي الذي أوجب ترتيب هذا الكتاب على طريق الحساب([10]).
والمحلل لهذا المقدمات المنهجية الخمس يدرك أنّ هناك تصوراً منهجياً كاملاً لدى الشهرستاني جعله أساساً لدراسته الشهيرة ويتضح من خلال المقدمة الأولى إدراكه لاختلاف الأديان وانقسامها نظراً لاختلاف أهل العلم وانقسامهم إلى شعوب وجماعات.
كما يتضح لدارس الملل والنحل القيمة العلمية لهذا المؤلف في حقل علم تاريخ الأديان، فقد عالج فيه مشاكل منهجية، منها مشاكل تخص المقارنة بين الأديان والفرق ووسائل تفسير الظاهرة الدينية وكلّها من جوهر المنهج الحديث لعلم مقارنة الأديان.
كما أنّ القرآن الكريم يعتبر، أوّل من أعطى الإرهاص الحقيقي والإشارات الأولى في تناول الأديان الأخرى بمنهجية محكّمة وقد أعطى لدارس الأديان والناقد أشكالاً متعدّدة في النقد أعطى وسائل كثيرة لمعرفة ماهو صحيح ومتغير في الأديان.
فبيانه لموقفه من التوراة(الأسفار الموسوية الخمس) نرى أنّه استعمل وسائل لم تكن معروفة( ولا نعجب إذا عرفنا أنّ معظم المصطلحات النقدية القرآنية ووسائل التغيير النصي… أصبحت من مقومات المنهج النقدي للتوراة الذي تبناه علماء نقد الكتاب
























