مدخل إلى علم مقارنة الأديان

كتبها 01kardoussi ، في 21 يونيو 2009 الساعة: 21:49 م

 

                      مدخل إلى علم مقارنة الأديان
تمهيد:
الدّين ضرورة حياتية يطبع الإنسان بل يسير حركة حياته ونمائه وفق قواعده، والتدين موقف أساسي من مواقف القيّم الإنسانية، بل من أعظمها والتي لا مندوحة له إلاّ به.
    فنجد عبر الحقبة التاريخية للإنسان أنّه لا يوجد قوم عاشوا دون أن يتدينوا بديـن أو ينقادوا إلى رسوم وطقوس، لذلك فالفكرة الدينية منتشرة بين جميع الشعوب والأقوام البدائية أو المتحضرة، كالبابليين(بعل وعشتار) والسومريين(انـوو انليل) والفرس(امورامزدا) والهنود(برهما،سيفا،بودا…) ولهذا ذكر مؤرخو الحضارات وتاريخ الأديان كبنيامين كوستان: أنّ الدّين من العوامل التي سيطرت على البشر وأنّ التحسّس الدّيني من الخواص اللازمة لطبائعنا الرّاسخة، ومن المستحيل أن نتصوّر ماهية الإنسان دون أن تتبادر إلى ذهننا فكرة الدّين([1]).
    أمّا إذا رجعنا إلى نظرة الكتب السماوية(التوراة،الإنجيل،القرآن) فأنّها تؤكد على هذه الحقيقة السرمدية. فإنّ القرآن يؤكد أنّ الإنسان أو ما خلق خلق لدافع ديني(وما خلقت الجنّ والإنس إلاّ ليعبدون) ([2]).
    أمّا الشعوب البدائية المتوغلة في التوحش فلكل منها قوّة غيبية تتقرب إليها وكائن أعلى تتضرع إليه بالإضافة إلى الديانات السماوية الكبرى اليهودية، المسيحية، الإسلام.
    من هذا تعيّن على الفكر الإنساني الاهتمام بظاهرة(الدّين) وجعله من المعارف الأساسية لدراسته في إطار العلوم حتى ظهر كعلم مستقبل بمنهج واهتماماته العلمية كباقي العلوم.
ظهور علم تاريخ الاديان:
    إنّ بداية ظهور علم مقارنة الأديان تظهر من خلال اهتمام الإنسان بالآخرين ومعتقداتهم بدافع دينه أو دوافع أخرى، ذاتية معرفية لكن الملاحظ عند مؤرخي الأديان أنّهم تضاربوا حول البدايات الأولى والتي مهدت لظهور هذا العلم.   ويمكن القول أنّ تاريخ الدّيانات هو علم جديد، ونعني بعلم الدّيانات الدراسة الموضوعية لمختلف الأديان، أصلها، نموها في الزمان والمكان ونستخلص أنّه علم نسبي وجديد فقد سجل لنا علماء تاريخ الأديان بعض البدايات التي أفرزها الفكر اليوناني القديم.
    فقد تعرض الفلاسفة اليونانيون بكل حرية للمشاكل الكبرى التي جلبت اهتماماتهم كأصل العالم، العلاقة الإلهية بالعدالة، مصير الأرواح بعد الموت وعليه كانت هذه هي بداية النقد الذي تطور أكثر عند الصوفيين ومختلف الفلاسفة ومن ثمّ ظهرت عدّة مناهج تفسيرية للأديان وكان منهج(l’évhénérisme) هو أوّل نظام تفسيري ويعتقد(Evhémére) بأنّ الألهة في الميثيولوجية التقليدية هم أشخاص مميّزين كانوا فلاسفة وأمراء قدسوا من قبل الشعب، ونجاح هذه النظرية تعزّزه العادات الدينية للملوك خاصة في القرن II وIII   قبل الميلاد وكان لكتاب(Euhémeros) صدى كبيراً في اليونـان، وترجـم إلى اللاتينيـة من قبـل(Ennius) كما أنّ هبرت سبنسر(Herbert Spencer) أعاد(l’évhénérisme) ضمن نظرية(moniste) ([3]).
    ثمّ تلتها بعض التطوّرات حتى ظهر آخر الأديان السماوية(الإسلام) الذي أعطى هذا العلم حقه في الظهور واستشراف طرقه ومناهجه، فقد جاءت إشارات قرآنية ساعدت علماء الإسلام في العصور الزاهرة للحضارة الإسلامية أن يظهروا هذا العلم، فأوجبت احترام أي دين واحترام معتنقيه عكس مابدى عند المسيحيين، في القرنIVX  و IIVX([4]).
    وقد أعطى الإسلام لليهود والنصارى وضعاً متميّزاً في التعامل والعلاقات(ولا تجادلوا أهل الكتاب إلاّ بالتي هي أحسن إلاّ الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وألهكم واحد ونحن له مسلمون) ([5]).
    كما أنّه أباحمؤاكلة أهل الكتاب ومصاهرتهم والتزوج من نسائهم ويكون لهذه الزوجة الكتابية القيام بفروض عبادتها والذهاب إلى معبدها أو كنيستها لممارسة شعائر دينها(اليوم أحلت لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذيم أوتوا الكتاب من قبلكم) ([6]).
    لهذا ظهر علم تاريخ الأديان أو علم الملل والنحل والذي أصبح يعرف من بعد بعلم مقارنة الأديان بمنهجيته السمحاء وبعده الإنساني والعالمي على عكس الأديان الأخرى التي كانت تعتبر أي دين ضلالاً وبدعة، فإذا نظرنا إلى موقف اليهودية من المسيحية والمسيح فهي تعتبرها ضلالاً بل اعترت المسيح(عليه السلام) ضمن المسحاء الكاذبين….
    فقد ذكر آدم ميتز(… أن تسامح المسلمين في حياتهم مع اليهود والنصارى وهو التسامح الذي لم يسمح مثله في العصور الوسطى سبباص في أنّ الحق بمباحث علم الكلام شيء لم يكن قط من مظاهر العصور الوسطى هو علم مقارنة الملل) ([7]).
    بل اهتم المسلمون أيضاً بدراسة الأديان غير السماوية(Les religions non biblique) والتي اعتنوا بها وبمعتقداتها وما أفرزته من أطر اجتماعية وثقافية، فكانت دراستهم من أهم ما أنتجه الفكر الإنساني وقتها، حتى أن كتب علم الكلام لا تخلوا من دراسة ومناقشة هذه الأديان(كالثانوية lA-ayiwanaht، المناوية المزدكية Al- Mazdakia، الهندوسية(البرهمية)L’hindouisme ، البوذية (أصحاب البوذ) boudhisme) ([8]).
    وهذا العلم كما يبدوا من المؤلفات التي تركها المسلمون الأوائل، علم قديم، وفي هذا يقول الشهرستاني أحد أساطين هذا العلم: (أعلم أنّ العرب في الجاهلية كانت على ثلاثة أنواع من العلوم: أحدهما، علم الأنساب والتواريخ والأديان).
    كما ورد كذلك في رسائل إخوان الصفا: ( وأعلم ياأخي أنّ العلم علمان: علم الأبدان وعلم الأديان) ([9]).
    وفي هذا إشارة واضحة إلى أهمية هذا العلم وقدمه عند المسلمين.وأهميته تكمن في أنّ جلّ علماء المسلمين قد خصصوا له مبحثا خاصا حتى ولو لم يكونوا مختصين فيه.
    كما أنّه برز فيه عدّة أساطين يستحقون تسمية لكل واحد منه(عالم الأديان)، فنذكر من هؤلاء، محمد بن عبد الكريم الشهرستاني(479548هـ) الذي يعد من أشهر علماء تاريخ الأديان عند المسلمين وأكثرهم موضوعيةن فهو صاحب الكتاب المعروف باسم (الملل والنحل)، الذي يعد بحق أهم عمل في تاريخ الأديان عند المسلمين بسبب التزام صاحبه بمنهج علمي وموضوعي في دراسة الأديان والفرق وبأسلوب وصفي تحليلين كما يتضح عليه أنّه سعى لوجود منهج علمي لدراسة الأديان والفرق بعيداً عن الأهداف الدفاعية والمؤثرات الخارجية.
    ولعل أهم ما يميّز عمله في تاريخ الأديان تلك النظرة المنهجية الواضحة النتي بدأ بها دراسته وذكرها في الصفحات الأولى من الملل والنحل وتقوم هذه النظرة على خمس مقدمات رتبها على النحو التالي:
1- بيان تقسيم أهل العالم جملة.
2- بيان قانون يبني عليه تعداد الفرق الإسلامية
3- بيان أوّل شبهة وقعت في الخليقة.
4- بيان أوّل شبهة وقعت في الملّة الإسلامية وكيفية تشعبها ومصدرها ومظاهرها.
5- بيان السبب الرئيسي الذي أوجب ترتيب هذا الكتاب على طريق الحساب([10]).
والمحلل لهذا المقدمات المنهجية الخمس يدرك أنّ هناك تصوراً منهجياً كاملاً لدى الشهرستاني جعله أساساً لدراسته الشهيرة ويتضح من خلال المقدمة الأولى إدراكه لاختلاف الأديان وانقسامها نظراً لاختلاف أهل العلم وانقسامهم إلى شعوب وجماعات.
    كما يتضح لدارس الملل والنحل القيمة العلمية لهذا المؤلف في حقل علم تاريخ الأديان، فقد عالج فيه مشاكل منهجية، منها مشاكل تخص المقارنة بين الأديان والفرق ووسائل تفسير الظاهرة الدينية وكلّها من جوهر المنهج الحديث لعلم مقارنة الأديان.
    كما أنّ القرآن الكريم يعتبر، أوّل من أعطى الإرهاص الحقيقي والإشارات الأولى في تناول الأديان الأخرى بمنهجية محكّمة وقد أعطى لدارس الأديان والناقد أشكالاً متعدّدة في النقد أعطى وسائل كثيرة لمعرفة ماهو صحيح ومتغير في الأديان.
    فبيانه لموقفه من التوراة(الأسفار الموسوية الخمس) نرى أنّه استعمل وسائل لم تكن معروفة( ولا نعجب إذا عرفنا أنّ معظم المصطلحات النقدية القرآنية ووسائل التغيير النصي… أصبحت من مقومات المنهج النقدي للتوراة الذي تبناه علماء نقد الكتاب

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

حـوار الحضـارات* المفهوم و التصورات *

كتبها 01kardoussi ، في 21 يونيو 2009 الساعة: 21:46 م

 

حـوار الحضـارات
* المفهوم و التصورات *
مدخـل:
لقد كثر الحديث عن حوار الحضارات و الثقافات و عن صدام و صراع الحضارات من طرف الإستراتيجيين و المهتمين بالشأن الدولي و بمسألة العلاقات الدولية، كما أنه بات يشغل جزءا كبيرا من المساحات الإعلامية المقروءة و المكتوبة و صار أحد أهم القضايا الكبرى التي تشغل بال المفكرين و صناع القرار في مختلف العالم بعد أحداث 11 سبتمبر في نيويورك و واشنطن و التداعيات المرافقة لها.
ماهو حوار الحضارات و التصورات له؟
و هل هو مشروع جديد قديم؟
لكن قبل التطرق و الإجابة عن هذه الإستفهامات لابد من تناول إشكالية معرفية لمصطلح الحضارة.
فلا شك أن المصطلحات الرائجة : مثل المدنية و الثقافة و الحضارة غير محددة و للحضارة وحدها لها تعار يف كثيرة جدا (*).
كما أنه يتعين علينا تحديد الإطار المعرفي كذلك لحوار الحضارات حتى نستطيع التفريق بينه و بين حوار الأديان لاحظنا تدخلا فيما بينهما عند الكثير.
مفهوم حوار الأديان :
فحوار الأديان له مفهوم قديم ربما قدم الأديان نفسها.
فحوار الأديان عالم واسع و متنوع الأهداف و المستويات و التنوع الذي نتحدث عنه يتضمن الأطراف المتحاورة من رجال دين أو أكاديميين مختصين في الأديان أو المهتمين بتعظيم دور الأديان في نواحي الحياة المختلفة أو خليط من هؤلاء و أولئك.
 و أهداف الحوار أيضا تختلف فهناك حوارات تبعث عن تفاهم متبادل و تعارف أعمق و هناك أخرى تبحث عن موقف مشترك من قضية نعينها.
و أساليب الحوار تختلف و طريقة ( استدعاء) الدين و أساليب الحوار فهو يستدعي كتجربة روحية أحيانا، و يستدعي التاريخ و ممارسة أخرى و يستدعي كنصوص مقدسة أحيانا ثالثة أو كقيم مجردة أو كواقع حي يومي يتحرك على أرض الواقع.
و يختلف الحوار في نطاقه واتساعه الجغرافي بين المحلي و الإقليمي و الدولي و في تحديده للأديان فقد يقتصر على الأديان السماوية و قد يتضمن ديانات أخرى مثل: الهندوسية و البوذية و غيرها.
و قد يكون داخل دين واحد بين مذاهب و طوائف شيء أو بين دين و آخر و بين عدة أديان في وقت واحد.
فالإسلام قد عرف الحوار الديني قبل غيره من الأديان و خاصة المسيحية الذي يعتبر كمحور جديد في أدبياتها.
فقد أقره البابا يوحنا (1) Paul في 06 أوت 1964 ما بين المرحلة الثانية و الثالثة للمجمع الفاتيكاني
 و قد ظهر هذا القرار في ( ENCYCLIQUE ECCLESIAL SUAMPROGRAMME  ) و فتح قبله في الفاتيكان ما يعرف بـ : secrétariat pour les nons-Chrétiens سنة 17 مايو 1964م. 
حوار الحضارات :
أما حوار الحضارات من ناحية المنطلقات فهو يتقاسم و يشترك مع حوار الأديان إلا أنه أشمل و أوسع منه من حيث الاهتمامات و المجالات الواسعة لحوار الحضارات و الذي يشكل الدين جزءا أساسيا من حوار الحضارات و بذلك فإن حوار الحضارات قد يستوعب الحوار الدين و ليس بديلا عنه فهو الإقرار بحق الخصوصيات الثقافية و الدينية.
ففكرة الحوار بين الحضارات تهتم بمايلي : العملية التي ينبغي أن تقوم ها الشعوب بعد المعرفة الدقيقة بإمكانياتها و إعادة اكتشاف الكامن في

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

حوار مع جريدة صوت الأحرار الجزائرية

كتبها 01kardoussi ، في 20 يونيو 2009 الساعة: 14:49 م

 

 
في حوار مع صوت الأحرار
 
"أصبحت قضية العدوان على لبنان موضوعا ملحا و مادة للنقاش في مختلف أبعادها السياسية، الأخلاقية و الدينية و معرفة موقف و رأي دعاة السلام في هذه القضية،  الذين وقفوا يتفرجون على تدمير المنشئات والمنازل فوق النساء والأطفال والشيوخ، و إن كانت إسرائيل المدعمة من أمريكا لم تحترم مبادئ ميثاق الأمم المتحدة المتمثلة ، و تقيدها  بالقيم الرئيسية للعلاقات الدولية وهي حفظ السلام والأمن الدوليين ولابد من موافقة كل دولة على أن تتعهد بذلك ، بعدم استخدام القوة، غير أن التاريخ شهد فترات تمتعت بأجواء مناسبة للحوار الديني ومناخًا للحرية الدينية و احترام الآخر ، إلا أن معظم الأدبيات لم تكشف الغاية من حوار الأديان بمقارنة أو مساجلة الأديان بالجدل الديني والمذهبي، لاسيما في حالة الدفاع الشرعي و اتخاذ التدابير في رد العدوان،  وقد أكد الدكتور عز الدين بشير كردوسي في حوار أجرته معه صوت الأحرار وقد أكد عز الدين بشير كردوسي أن القضية الفلسطينية تعد مركز قضايا الأمة الإسلامية وكذلك بالنسبة إليهم فان جوهر الديانة اليهودية هو تحقيق الوعود الإلهية، وانضم إليهم البروتستانت وكذلك بعض الكاثوليك نفاقا أو خوفا، بالرغم من الدراسات العلمية النقدية التي أثبتت خرافة هذه العهود اليهودية حتى من طرف الباحثين الإسرائيليين والذين يسمون بالمؤرخين الجدد وغيرهم من الأكاديميين الغربيين، و قد حدثنا عن القضية اللبنانية في ضوء حوار الأديان و الحضارات.."
 
س 1 / ـ اليوم نلاحظ الهجمة الشرسة على لبنان من طرف الكيان الإسرائيلي و بمباركة أمريكا و فتاوى حاخامات اليهود، ألا يعد هذا نوعا من أنواع الحروب الدينية ؟
ج/ قبل الإجابة على هذا السؤال يجب علينا قراءة التاريخ الديني المتعلق بهذه المسائل،  و المواثيق مع بريت Beritـ إن مركزية الديانة اليهودية تعلقت بالعهود بريت يهوى (الله). و أصبحت العمود الأساسي للفكر اليهودي و الديانة اليهودية و هذه العهود بين اليهود و يهوى هي جوهر العلاقة بينهما، و أهم هذه العهود  عهد (بريت) و المذكورة في التوراة (بريت أبوت) عهد مع سيدنا إبراهيم (عليه السلام) و يسمى عندهم بريت أبوت،  الذي وعد إبراهيم و بعده ذريته من نسل يعقوب و إسحاق، أن يعطيه الأرض الموعودة من الفرات إلى النيل، و هذا العهد يعتبر تجديد للأول و ترسيخ له في الأرض الموعودة.
      وترتبط هذه العهود الأساسية بعقائد أخرى في الديانة اليهودية، "عقيدة الشعب المختار وعقيدة المسيح المخلص" ( الذي يخلص اليهود و يعيد إليهم المجد الضائع و يقود الإسرائيليين لامتلاك أرض كنعان أو الأرض الموعودة) ، بحيث نجد شروحات لهذه الأفكار في كل من ( المشناة) و ( الجمارا) التي تركز على فكرة الشعب المختار و المسيح المنتظر في ضوء الأفكار التي تتعلق بمستقبل اليهود و العالم ، فالسلام  في الفكر اليهودي لن يكون إلا إذا طبقت الوعود الإلهية، لكن بظهور المسيحية الكاثوليكية اختلفت في تفسيرها لهذه العهود، و اعتبرتهم عهود قديمة، لا مجال لتحقيقها، لأنها ملغاة من طرف العهد الجديد الذي تمثل في ظهور السيد المسيح (عليه السلام) و الذي جاء ليخلص البشرية من الخطيئة  الأصلية لأبي البشرية، و الثانية أن هذا الميثاق و العهد الجديد يشمل جميع البشر و ليس خاصا بمجموعة ما ( أي عالمية الوعد في المسيحية الكاثوليكية و خصوصيته في اليهودية) ، لكن الطفرة التي حدثت ظهرت مع البروتستانتية التي تنكرت لتفاسير الكاثوليك و طلبت بالرجوع إلى النسخة العبرية من الكتاب المقدس لا النسخة اللاتينية المعتمدة في كنيسة روما، و بذلك حدث أول تقارب في الفهم اللاهوتي العقدي بين اليهود و البروتستانت.
         لقد حدث هذا بوضوح عند المعلم الثاني كلفن و الذي فسر كلمة (جديد) بمعنى التجديد بمجده القديم، و أن الوعد لم يقم بحد ذاته بل ارتبط بمفهوم الوفاء به، و من هنا كانت العلاقات الروحية بين البروتستانتية و الكنيس اليهودي، و هكذا أكدت البروتستانتية من لوثرية و كلفينية على فكرة ديمومة ما يدعى (إسرائيل) الشعب المختار و المميز، كما أن عقيدة عودة المسيح المنتظر أخذت مكانها في المذاهب البروتستانتية المختلفة و تطابقت مع المفهوم المادي اليهودي بأن المسيح سوف يأتي ليجمع خراف إسرائيل في الأرض الموعودة.
       ولذلك نلاحظ أن وعد بلفور خرج من البيئة البروتستانتية، و أن الدعم الأكبر يلاقيه اليهود اليوم من طرف أمريكا البروتستانتية و التي انتشرت فيها حركات دينية متنوعة ، مثل شهود يهود و السبتيين و اللوثريين و الإنجيليين وغيرهم ممن يقدمون دعما قيما للكيان الإسرائيلي، و لذلك فإن الصراع الصهيوني العربي الإسلامي سيطول ، وهم يعرفون ونحن كذلك. إن القضية الفلسطينية بالنسبة لنا تعد مركز قضايا الأمة الإسلامية وكذلك بالنسبة إليهم فان جوهر الديانة اليهودية هو تحقيق الوعود الإلهية-كما مر بنا-كما انضم إليهم البروتستانت وكذلك بعض الكاثوليك نفاقا أو خوفا، بالرغم من الدراسات العلمية النقدية التي أثبتت  خرافة هذه العهود اليهودية حتى من طرف الباحثين الإسرائيليين والذين يسمون بالمؤرخين الجدد وغيرهم من الأكاديميين الغربيين.
 
 
س2/ في حديثكم عن حوار الأديان نلاحظأن علم مقارنة الأديان يعد تخصصا جديدا بالجامعة الجزائرية، هل يمكنكم تسليط الضوءعلى ه

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التسامح : الجذور في الميتافيزيقا وجوهر الإسلام

كتبها 01kardoussi ، في 21 مايو 2009 الساعة: 21:47 م

 

  
التسامح : الجذور في الميتافيزيقا وجوهر الإسلام
 
الدكتور : بشير كردوســي
أستاذ محاضر – جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية –
                  قسنطينـــة
 
تمهيـد :
إن عالمنا اليوم، يعد في أصعب مراحله التاريخية نتيجة عوامل كثيرة، قد تُسارع في اندثاره وتفجيره، وهذا ما أدى إلى النظر من جديد إلى القيم المتعالية في الأديان وفي ديننا الإسلامي، والتي تسمح للإنسان أن يعيش في فعالية إيجابية مع ما يحيط به، كما أن التفاعل بين الحضارات و الثقافات ازدادت الحاجة له وأصبح ضروريا أكثر من أي وقت مضى .
هذه الحركية لا يمكن لها أن تطفو على سطح عالم الإنسان إلا بالقيم المتعالية وأكثر القيم إيجابية هي فضيلة التسامح .
كما أن التصور لهذه القيمة قد تتفاوت من واحد لآخر، وتجد لها جذورا في محيط مستعمليها أولا تجد . ومنه التصور الإسلامي للتسامح .
في زحمة هذه الإشكالات التي تفرض نفسها علينا، نتيجة الواقع والخاصة بديننا .
فهناك أسئلة محرجة قد طرحت أو قد تطرح، أوجبت البحث والحفر في جذور هذه المسألة .
ومنها الواقع الذي ينبىء بمرايا معاكسة لما هو موجود في أصول الإسلام .
فهل التسامح، له دوائره في الإسلام ؟ أم أن التصور له، هو تصور حديث أنتجته الحداثة الغربية وفق البراديم الغربي ؟
هذه الأسئلة المحرجة  فرضت علينا إذا أن نتجلى المسألة في مسلكين كبيرين حسب التصور الذي وضعناه، كما أننا تركنا الجوانب الدلالية اللغوية والاصطلاحية والتي فضلنا إحالة القارىء إلى بعض مصادرها[1]؛ لأن المشكلة التي تعنينا بدرجة أولى هوما أشرنا إليه.ولهذا،سننطلق من العام إلى الخاص لربط مسألة التسامح بجذورها التي حددناها في هذه المداخلة المتواضعة والمسلكان هما :
·       - المسلك الميتافيزيقي :
         1 – إن التكون الاول للخليقة، التكون الميتافيزيقي للعالم الجواني للإنسان، أفرز تركيبة ثنائية في الإنسان في عالمه الجواني إضافة إلى التركيب المرفولوجي له .
فهذه الخاصية هي التي أعطته المعنى الحقيقي للإنسان بل أكدت مركزيته للكون . وبحكم هذه التركيبة الثنائية الجوانية، فإن الإنسان نجده يميل نحو الإثم والرذيلة أكثر من ميله نحو الخير . وقدرته على أن يسقط في هوة الخطيئة تبدو أكبر من قدرته على التسامي في مراقي الفضيلة[2] .
هذه الخيرة الأخلاقية العملية، بالضرورة ستفرز قيمة متعالية تكون بلسما لحياة الإنسان . كما أن هذه الخصوصية الجوانية، ستكون مصدرا لهذه القيمة المتمثلة في التسامح لضرورة الاستمرارية وصيرورة الحياة .
       2 – (إذا تمعنا قضية الخلق " خلق الإنسان" في الحقيقة هي قضية الحرية الإنسانية، فإذا قبلنا فكرة الإنسان لا حرية له، وإن جميع أفعاله محددة سابقا – إما بقوى جوانية أو برانية – ففي هذه الحالة لا تكون الألوهية ضرورية لتفسير الكون، ولكن إذا سلمنا بحرية الإنسان ومسؤوليته عن أفعاله، فإننا بذلك نعترف بوجود الله إما ضمناوإما صراحة، فالحرية لا يمكن أن توجد إلا بفعل الخلق)[3]
فالإنسان في لحظة زمنية من الأبدية بدأ مخلوقا حرا في الوجود لضرورة الألوهية، وهذه الضرورة اقتضت الحرية، والحرية اقتضت تعدد الأفعال وهذا التعدد والاختيار لا يمكن أبدا ان يكون متجها دوما إلى دائرة الخيرية .
فهذه الخيرية وما تجلى من إفرازاتها، بالضرورة كذلك ستنتج التسامح ليكون الحاكم على استمرارية الحياة الإنسانية، ضف إلى ذلك أن الخلاص الذي ينشده الإنسان من جراء توبته من أفعاله، ما هو إلا تسامحا جوانيا لإنسانيته .
أهم مصاديق المسلك الميتافيزيقي :  
1-            تعدد الأجناس واللغات .
2-            الاختلاف بكل صوره والمتمثلة في الدوائر الثلاث للواقع (الطبيعة والحياة والشخصية الجوانية).
فهذا الاختلاف الحاصل بين هذه الدوائر الثلاث والتركيبة الوظيفية لهم، أنبأ بضرورة وجود قيمة التسامح بمفهومها المتكامل بأحقية الآخر وقَبول اختلافه .
 
·       - المسلك الثاني : جوهر الإسلام :
والمقصود به[4] النظر في الأصول الثابتة للإسلام، والمعبرة عن جوهر وحقيقة الإسلام والمتمثلة في مصادر الوحي، وإننا نود من خلال هذا المقصد تبيان الجوهر المكنون للتسامح في أصول الإسلام ونعني به بالدرجة الأولى القرآن الكريم .
1 - إن جوهر الإسلام ومعناه يؤخذان من اسمه، وهذه سمة ليست موجودة في مسميات الأديان الأخرى؛ إذ لا يوجد دين يشير اسمه إلى جوهره ومعناه سوى الإسلام[5] . وهذه مقدمة لصفة التسامح التي التزم بها الإسلام منذ البداية. ولكي نؤصل لهذا التعالي لدين الإسلام علينا بدراسة مسألة الهيمنة على الكتب السابقة للقرآن الكريم والمعبرة بحق

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

أهلاً بالعالم!

كتبها 01kardoussi ، في 6 مايو 2009 الساعة: 12:38 م

أهلا وسهلا بك في مدونات مكتوب؛
هذا هو إدراجك الأول؛ يمكنك القيام بتحريره أو حذفه في أي وقت.
في بداية رحلتك التدوينية، ننصحك بزيارة الأسئلة الأكثر شيوعاً حيث ستجد كل ما يتعلق بخصائص وخدمات مدونات مكتوب.
نتمنى لك رحلة تدوينية ممتعة وهادفة مع منبر حرية الفكر والكتابة.
ابدأ التدوين الآن!

    الدكتور بشير كردوسي
العنوان : إشكالية الاختلاف ابستيمولوجيا
 
مدخل :
إن إشكالية ماهية الاختلاف[1] ابستيمولوجيا[2]، وفهمها يعد جوهرا في معرفة جوهر المسائل المتعلقة والمنبثقة عن الاختلاف الوجودي في أبعاده الثلاثة والذي قد يُنجز عنه نتائج إثراء لطبيعة الواقع الإنساني .
هذا التوقع الإيجابي سيساعدنا على تقبل الاختلاف وإفرازاته التنوعية .
وإننا هنا، نحاول ان ندخل إلى عمق هذه المسألة تاركين الجوانب الدلالية سواء اللغوية أو الاصطلاحية والتي فضلنا إحالة القارىء إلى بعض مصادرها[3] .
لأن المشكلة التي تعنينا بدرجة أولى هو ما أشرنا إليه، وكيفية ترك آثارها على واقعنا الثقافي بكل أطيافه.
في البدء كان الاختلاف :
إننا نحاول أن نلم بطبيعة تكون مسألة الاختلاف . علينا أن نحدد محورين أساسيين لفهمها .
المحور الاول :
1-      هناك ثلاث دوائر مختلفة (الآلي، والبيولوجي، والشخصي) وهي تتطابق مع الدرجات الثلاث للواقع (الطبيعة والحياة والشخصية الجوانية).
فالاختلاف الحاصل بين هذه الدوائر الثلاث أنبأ ان الاختلاف له طبيعة إيجابية وضرورية للاستمرارية وصيرورة الحياة، بل هذه التركيبة هي في الأساس من أجل التدافعية والوظيفة التكاملية وليست تركيبة تهديمية
2-      كما (أن ازدواجية العالم الحي ونعني هنا على مستوى المادة في مقابل الحياة، ففي المادة نرى التجانس، والكم، والتكرار والسببية والآلية وعلى الجانب الآخر، نجد الإبداع والتنوع والنمو والعفوية، نجد الكائن الحي المتعضٌِي[4] … فإذا نظرنا إلى بعض خصائص الحياة، نجد أنها تتناقض مع أفكارنا وفهمنا عن المادة في صميم تعريفها، فطبيعة الحياة مناقضة للمادة . فطبقا لعلماء الحياة " القصور في الطاقة "[5] ENTROPY  هو النقطة الحاسمة في تعريف الحياة. فجميع قوانين الطبيعة ترجع إلى القصور في الطاقة والتي تعني التشوش العام . وعلى عكس ذلك، نجد أن الخاصة الرئيسية للكائن الحي هي حالة " اللا إنتروبي" " ضد القصور في الطاقة" )[6].
فهذه الازدواجية للعالم الحي والاختلاف بين الأنتروبي و اللا إنتروبي ماهي إلا عملية آلية للاستمرار في البقاء من خلال الأخذالمستمر من سلب القصور في الطاقة من الخارج …. لذلك يمكن القول بان الكائن الحي يتغذى على سلب الأنتروبي .
3-      (إذا تمعنا قضية الخلق " خلق الإنسان"، في الحقيقة هي قضية الحرية الإنسانية فإذا قبلنا فكرة الإنسان لا حرية له، وإن جميع أفعاله محددة سابقا – إما بقوى جوانية أو برانية – ففي هذه الحالة لا تكون الألوهية ضرورية لتفسير الكون. ولكن إذا سلمنا بحرية الإنسان ومسؤوليته عن أفعاله، فإننا بذلك نعترف بوجودالله إما ضمنا وإما صراحة . فالحرية لا يمكن أن توجد إلا بفعل الخلق.)[7]
فالإنسان في لحظة زمنية من الأبدية بدأ مخلوقا حرا في الوجود لضرورة الألوهية وهذه الضرورة اقتضت الحرية ، والحرية اقتضت تعدد الأفعال والاختلاف وفق معطى الاختلاف الموجود في :
(الدوائر الثلاث المشار إليها سابقا)
المحور الثاني : عملية توليد الأفكار
الواقع أن الاختلاف مسألة كانت بداية مع ظهور الكون كما أسلفنا سابقا، وهذا كذلك يظهر جليا في مختلف مظاهر الطبيعة …
فقد يطرح سؤال : لماذا هذا التناقض بين عملية الاختلاف والتقارب منذ البدء .
لمعرفة هذا التناقض لابد علينا أن نبحث عن الأسباب الحقيقية لعملية توليد الأفكار.
      1 – الأسباب الفيزيولوجية :
      إن تطور علم الأعصاب (Neoroscience) أثبت ما كان
      قد جزم به التخمين الطبيعي حتى الآن، وهو ان العمليات               التوليدية للأفكار و إنتاجها، يتعارض مع تحقيقها .
وهذا وفق عملية تتبع النبض الأصلي لحياة الأفكار والمتمثل في العمليات، م

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb